منذ عودته من منفاه الباريسي إلى صومعته السياسيّة في الرابية نجح رئيس تكتّل «التغيير والإصلاح» النائب ميشال عون في انتهاج ما يسمّى «السياسة الرمادية» في تعاطيه مع الأفرقاء السياسيّين أوّلاً، والملفّات الإقليمية ثانياً، فتارةً تراه «حليف الحليف» وطوراً تراه «حليف الخصم»، إلى درجةٍ أصبح يتلاطم بالأضداد وبات السفير السعودي علي عواض عسيري الضيف الدائم المحتفى به في الرابية.
ربّما اقتنع عون بضرروة تطبيق سياسة "البراغماتية" على قاعدة "الانفتاح السياسي" على جميع الأطراف بعد أن خذله "حزب الله" في مقاربة عدد من الملفّات والاستحقاقات الداخلية.
وبعد جردة حساب سياسية داخليّة لم يتردّد عون في زيارة رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط في كليمنصو معزّياً بوالدته السيّدة مي ارسلان جنبلاط، هذه الخطوة التي فاجأت معظم السياسيّين، ولم تفاجئ غالبية الإعلاميين الذين اعتادوا "الشخصية المشاكسة" والطباع الغريبة لهذا الرجل الذي يحب سَرقة الأضواء معتمداً سياسة "الخطوات المفاجئة".
وبالتأكيد فإنّ عون كان يهدف من هذه الخطوة وضع "المدماك الأوّل" في إعادة بناء العلاقة بين الرابية والمختارة، بعدما شهدت توتّرات من العيار الثقيل بين الطرفين في مقاربة عدد من الملفّات الداخلية والإقليمية، وتحديداً الوضع الحكومي، إضافةً إلى الوضع السوري والخلاف على قانون الانتخاب.
وتفيد معلومات مصدرها "التيّار الوطني الحرّ" أنّ الحزب التقدمي الاشتراكي اتصل عقب تصريحات جنبلاط النارية حول الوضع السوري بالتيّار محاولاً التهدئة وإبعاد العلاقة ما أمكن عن شبح التوتّر، ومن ثمّ انعقدت لقاءات بين المسؤول عن منطقة الشوف في التيّار غسان العبدالله وجنبلاط في المختارة، تلتها لقاءات بين العبدالله وعدد من قياديّي الحزب في عاليه.
ومنذ ذلك الحين يستمرّ التواصل بين الطرفين على الصعيدين النيابي والوزاري في إطار تهدئة الأجواء بينهما، بالإضافة إلى التعاطي في الموضوع الإعلامي، وكلّ ذلك يصبّ في خانة السعي إلى تهدئة الجبل وتقرير عودة المسيحيين، فضلاً عن الاتفاق على سبل تعاطي الطرفين مع موضوع تأليف الحكومة، وصولاً إلى اتفاق على قانون الانتخاب العتيد بعد أن شكّل جنبلاط رأس حربة في مواجهة "الطرح الأرثوذكسي".
صحيح أنّ التقارب العوني - الاشتراكي يسير "على بيض"، إلّا أنّ العلاقة سائرة في اتّجاه التفعيل، واللجنة المشتركة بين الطرفين على موعد مع لقاءات كثيرة يفترض أن تنعقد قريباً لوضع خريطة طريق العمل الثنائي، مناطقيّاً، ومن ثمّ سياسياً.
ورغبة عون في تطبيق سياسة "الانفتاح البرتقالي" جدّية، لا تهدف إلى إثارة غيرة "الحليف" ولا تشكّل حتى انقلاباً عليه، بل فقط اعتماد "استراتجية سياسية داخلية وإقليمية بناءً على رؤية مشتركة جديدة يحتفظ التيّار الوطني الحر بتفاصيلها، انطلاقاً من الحضور السياسي الدراماتيكي للمسيحيّين في لبنان والمنطقة وبناءً على المتغيرات الإقليمية في انتظار تبلور المشهد السوري وحسابات الداخل اللبناني".
فلا يريد عون أن يكون خارج أيّ تسوية تنسج خلف الحدود، ولا دخيلاً على أيّ تفاهمات تجري في التركيبة اللبنانية، بل يريد أن يكون شريكاً أساسياً في اللعبة، ولذلك يفتح الباب لعقد مزيد من المصالحات مع الأطراف التي خاصمها وخاصمته.
وبمعنى آخر يريد أن يأخذ مبادرات جديدة تحتاج طبعاً الى خطوات جدّية تتمثل بالانفتاح على جميع الأطراف اللبنانيّة، ومن هنا كان الانفتاح العوني
- الاشتراكي في ظلّ علاقة شهدت توتّراً متنقّلاً، وعلى رغم من ذلك قصد عون البيت الجنبلاطي في كليمنصو، في محاولة لإعطاء إشارات إيجابية الى مستقبل العلاقة بين الطرفين ومتمايزة عن بقيّة حلفائه في الفلك الواحد.
أمّا في المقلع الجنبلاطي فيُسمع كلام آخر، فهناك حذر شديد لدى الحزب التقدمي الاشتراكي من الدخول في نقاشات حادة بين أعضاء اللجنة المشتركة، خصوصاً أنّ النقلة النوعية الاستثنائية التي يقوم بها "التيار الوطني الحر" أحدثت "نقزة" داخل الحزب سرعان ما استوعبها جنبلاط وفرملها، طالباً من قاعدته وقياديّيه الحرص على التعاطي السلحفاتي في العلاقة، خصوصاً أنّ "استثنائية العلاقة" تتيح للطرفين التوصّل الى تفاهمات مفتوحة على كلّ السيناريوهات، إذ يبدو أنّهما منفتحان على خيار تمتين هذه العلاقة والسعي إلى تحسينها، على رغم هوّة الخلاف السياسي العميق، فالتعاطي الإيجابي الذي أظهرته قيادة الطرفين، وبتوجيهات مباشرة منهما، تدفعهما إلى رفع سقف طموحات اللجنة المشتركة، والتوسّع في جدول أعمالها من الشأن المناطقي الى السياسي الداخلي.





















































